A young Bahraini Shiite Muslim girl reads the Koran, Islam's holy book, during the holy fasting month of Ramadan at a mosque in the village of Sanabis, west of Manama, on July 27, 2013. AFP PHOTO/MOHAMMED AL-SHAIKH (Photo credit should read MOHAMMED AL-SHAIKH/AFP/Getty Images)

كتب : د. حسين التميمي .

يُعدّ القرآن الكريم من أعظم المصادر التي أرست أسس التعامل الإعلامي الراشد، فهو لا ينظر إلى الإعلام بوصفه وسيلة نقل خبر فحسب، بل باعتباره أداة لبناء الوعي وصيانة المجتمع من الفتن والتضليل. ومن خلال آياته، يمكن استنباط منهج إعلامي ربّاني يقوم على الصدق، والتحقق، والوعي، والمسؤولية الأخلاقية، وهي مبادئ تكاد تغيب عن كثير من وسائل الإعلام المعاصرة التي أصبحت تميل إلى الإثارة بدل الحقيقة، وإلى السبق على حساب الأمانة.
وأول مرتكز: في المنهج القرآني للإعلام هو التحقق من الخبر قبل نشره، كما في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6).
فهذه الآية وضعت قاعدة ذهبية تسبق كل نظريات الإعلام الحديث، وهي وجوب التثبت من مصدر المعلومة وعدم التسليم بالأخبار المنقولة حتى تُمحّص. ومع ذلك، نرى في عصرنا الحالي غياب هذا المبدأ في الإعلام الإلكتروني ومنصات التواصل، حيث يُتداول الخبر بلا مراجعة، فيُتَّهم الأبرياء وتُشعل الفتن، وتُبنى المواقف على الظنون.
وأما المرتكز الثاني: فهو ضبط الكلمة الإعلامية ضمن حدود الصدق والأمانة. يقول الله تعالى:
﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70).
والقول السديد هو القول المصيب للحق، الخالي من التزييف والمبالغة. والإعلامي القرآني لا يبحث عن الشهرة أو الإثارة، بل عن بناء الحقيقة. وقد كان النبي صلى الله عليه واله يربّي أصحابه على هذا النهج، فكانوا لا ينقلون خبراً حتى يتأكدوا من مصدره، وكانوا يعدّون الكلمة أمانة لا تُقال إلا بحق. لكن في واقعنا المعاصر، أصبحت الكلمة سلعة تباع وتشترى، وأداة ضغط سياسي أو اقتصادي، حتى صارت بعض الوسائل الإعلامية تصوغ الرأي العام وفق مصالح معينة لا وفق القيم القرآنية.
وأما المرتكز الثالث: في التعامل الإعلامي القرآني فهو مراعاة أثر الكلمة في المجتمع، فالإعلام في المفهوم القرآني مسؤول عن تماسك الأمة لا عن تمزيقها. قال تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18).
فالقرآن يربط الإعلامي بمسؤوليته أمام الله قبل الناس، لأنه يدرك أن للكلمة وزنها وأثرها في تشكيل العقول وتوجيه القلوب. وفي زمننا الحاضر، غابت هذه الرقابة الذاتية، فانتشر الخطاب العدائي، والتسقيط الإعلامي، والتشويه المتعمد، مما ولّد فجوة ثقة بين الناس والإعلام، وأنتج أزمات فكرية وأخلاقية.
ومن المواقف المغيّبة التي يُذكّر بها القرآن في باب الإعلام، دور الكلمة في حفظ وحدة الأمة زمن الفتنة. فقد نهى الله تعالى عن إشاعة الأخبار المثيرة للقلق في المجتمع دون الرجوع إلى أهل العلم والرأي:
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: 83).
وهذه الآية تضع ضابطاً دقيقاً للإعلام وقت الأزمات: لا يُذاع الخبر إلا بعد عرضه على الجهات المختصة، حفاظاً على أمن المجتمع واستقراره. لكن في واقعنا نجد أن كثيراً من المنصات تُضخّم الأحداث، وتتناول القضايا الأمنية أو الدينية دون علم أو مسؤولية، مما يزرع الخوف والانقسام.
ومن صور التعامل الإعلامي القرآني أيضاً الدعوة إلى استعمال الإعلام في نشر الخير والقيم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (فصلت: 33).
فالإعلام في الإسلام رسالة لا مهنة فحسب، ومهمته إصلاح المجتمع وتثبيت القيم، لا تسطيح الفكر وإشاعة التفاهة. والموقف المغيب اليوم هو استثمار الإعلام لخدمة القضايا الإنسانية والإيمانية؛ إذ تحوّل كثير منه إلى أداة لهدم الأسرة ونشر الفاحشة وتطبيع الانحرافات.
وإنّ القرآن الكريم لم يتحدث عن الإعلام بمصطلحه الحديث، لكنه أسّس له منهجاً متكاملاً منضبطاً بالحق، قائمًا على التثبت، والأمانة، والمصلحة العامة، والرقابة الأخلاقية. ومن يتأمل في خطاب القرآن يدرك أنّ الإعلام القرآني ليس مجرد نقل معلومة، بل هو بناء وعيٍ وضميرٍ، وإنقاذٌ من الانحدار الثقافي الذي يهدد المجتمعات حين تُفقد فيها البوصلة الأخلاقية.
فالإعلام القرآني هو إعلام الحق والوعي، أما الإعلام المنفلت فهو إعلام الفتنة والتضليل، وشتّان بين من ينقل النور ومن يشيع الظلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *